إبراهيم الحمدي و صوفية المواطنة
أبرز صفات الزعامة هو الاندماج العاطفي بين من يملك هذه الروح وبين المجتمع المنجذب نحوها. أبرز الصفات الجاذبية التي تصنع الاندماج هو حرص من تتوفر فيه، على أن يصنع من وقته وجهده عملاً يمتلك عناصر الخلود المادي والمعنوي.
و أمام كل الصفات، ومنها القدرة على التأثير بالفعل والقول والكفاءة،و امتلاك القدرة على الاستيعاب والشفافية في التعامل ، والإحساس بمشاعر الآخرين ، وبجوانب حياتهم ، والصعوبات التي يواجهونها ، وأين تكمن مفاتيح التخفيف منها أو إزالتها إن أمكن .. أمام كل صفات الزعامة الحقيقية ،يمكن لصفة واحدة في الزعيم الذي هو في موقع السلطة والمسؤولية ،أن تجعل الناس يغفرون له الكثير من الهفوات التي لا يخلو منها أي إنسان –توفرت فيه بعض أو معظم صفات الزعامة ، أم لم تتوفر-تلك الصفة هي الحرص على المال العام ، لأن الزعيم الذي هو في موقع السلطة إذا وجد هو في موقع الأمانة ، والأمانة تبرأت من حملها الجبال دينياً ،فكيف بالإنسان و أمانة زعيم السلطة تشمل أمانته على الحقوق التي شملها حديث النبي محمد (ص) في حجة الوداع :" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ، من يومكم هذا إلى يوم القيامة".. آو كما قال.
فإذا كانت الجبال تخشى تحمل أمانة ابسط من هذه الأمانة التي يبدوا انه لا يتسع ثقلها حجما تشبيهيها به، فكيف بهذا الإنسان الذي ولج إلى البلوى من أمشاج النطفة ، وإصابة العمى عن حقيقة ضعفه وقوته بمجرد أن وجد الحراس يحيطونه من كل جانب ، وكأنه لا يعلم أن هؤلاء الحراس إنما يحرسونه ممن يدفعون مقابل حراسته.. فكلما رأيت حاكماً يكثر من الحراس والحجاب ، أدركت أن المظالم التي يمارسها ، والفساد الذي يبنى عليه حكمه .
ولا يمكن لمن يحيطه الحراس في البيت ،بل وفي الجامع ، أن يكون عالماً دين ، ولا لشاعر أن يكون صوفياً وهو يتنقل بالحراسة.
لكن كاتباً يتصدى لكثير من المظالم، وتتضمن كتاباته الكثير من الرؤى الفلسفية التي تراها السلطة معادية لها.. هذا الكاتب ، مثل الدكتور أبو بكر السقاف ، الذي تعرض لعدة اعتداءات لا تنم إلا عن حجم قبح صانعها .. هذا الكاتب أراه في عداد رموز الصوفية ، بعد أن رأيت بأم عيني بشاعة أحد الاعتداءات الذي استخدمت في احدث أدوات التعذيب اليدوية الكهربائية التي لا تملكها إلا السلطة ! ومع ذلك ظل يمشي راجلاً.. والكاتب المنافح لمكامن الفساد و، والفاضح لبعض أوكاره، محمد الحاضري، الذي تعرض شقيقه مؤخراً للاختطاف، يمضي أيضا في منهج الصوفية الوطنية –إن جاز التعبير- وهي لا تتناقض مع الصوفية الدينية التي تندمج مع روح التصوف الوطني.
والعديد من الكتاب الذين فقدناهم باكراً مثل عبدالحبيب سالم ، والفنان الشاعر المبدع عبداللطيف الربيع ، وغيرهما كثير ممن أنجبتهم هذه الأرض المعطاءة.
التي يستمر فيها دفن الورود قبل الأوان، وطرد ورفض ومحاصرة كل جميل وبكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة.. أقصد باستخدام الشرعية.
إن خسارتنا في البشر أضعاف مضاعفة لخسارتنا في المال، لأن الإنسان الأمين –ونعود إلى الموضوع الذي استفتحنا به هذه الكلمات – ينمى الخير في المجتمع، ويدفع بالأوطان إلى أفضل مكانه، ولا يفعل ذلك إلا من يدرك لذة العطاء.
أعود إلى موضوعنا، فأقول، كنت في الأربعاء 3/2/1999م في المقر الجديد للمحكمة التجارية، وهو عبارة عن فيلا أنيقة جميلة بمسبح في البدروم، وزخرفة بديعة.. وجدت عدداً من الإخوة القضاة والمحامين المتواجدين الآخرين مبتهجين وهم يطوفون بالغرف وينظرون إلى الزخرفة، والى وجوه بعضهم مبتهجين.. سألت أحد القضاة بكم الإيجار في الشهر ؟ أجاب بثلاثمائة ألف ريال .
وأسعفني احد الحضور ببعض معلومات لا أضنها بعيدة عن الصحة خلاصتها أن وزارة العدل تنفق شهرياً مقابل إيجارات حوالي خمسة وعشرين مليون ريال، أي ثلاثمائة مليون ريال سنوياً.. مع العلم أن مجمع حدة الذي أقيم بين عامي 75-1976م والذي يصلح مجمعاً لمحاكم و نيابات العاصمة ،قد بيع لأحد التجار بأساليب من الأساليب المتبعة اليوم في عهد الإصلاح الاقتصادي ، وبثمن بخس لا يساوي قيمة قطعة الأرض المقامة عليها. ويقوم المشتري منذ شرائه للمجمع بإشعار الحكومة بالخروج إلى الشارع ، مع أنها كانت تملك نصف المباني إلى جانب الأرض ، وفي المبنى عدد من الدوائر الحكومية الغليانه.. وهكذا تبيع الدولة نفسها باسم الخصخصة والرأسمال الحر ، والأمر كما هو واضح لا يخرج عن نهب المال العام ، وتركيزه في يد قلة من الهبارين ، وواضح أن الحكومة كانت تملك رؤية وطنية عن التصريح بإنشائه ، لأنها قد قصدت تخصيصه فيما بعد للمصلحة العامة .
بعد أن غادرت المحكمة التجارية المبتهجة بهذا الحزن، مررت بالمجمع الحكومي في نفس اليوم، لأنني كنت على موعد في وزارة البلديات والإسكان، فأخبرني احد الأصدقاء في الوزارة أنهم مهددون فعلاً بالطرد إلى الشارع ( والشارع للإسكان منظر!).
في مساء نفس اليوم ، وجدت الكاتب محمد الحاضري ، الذي ناداني بيمنا كنت انظر في الجانب الآخر ، وأخبرني بأنه يعد كتاباً عن الشهيد المناضل إبراهيم الحمدي ، فتذكرت على الفور أن الحمدي- رحمه الله- حينما علم أن مدينة ثلا بحاجة إلى مستوصف ،تبرع ببيته ليقام عليه المستوصف ، وتذكرت كم من المنشآت الحكومية أنشئت في عهده ، ومنها المجمع الذي بيع بثمن بخس ،وقد أقيمت بدون بترول ، ولا رأسمال ، ولا مصادر دخل ، وإنما مما توفر من تحويلات المغتربين الذين كانوا معززين مكرمين ، وكانت اليمن مرفوعة الرأس ، لا تذل لأحد ، ولا تعتدي على أحد