تصفية تمثال (إبراهيم ) أيضاً
كم هو شاق على الكاتب أن يتحدث عن ذاته ،ويشغل القارئ ،بترهات لا معنى لها ، آو يملأ فراغ المساحة بذكريات يستجرها في غير مجراها .. ما أيسر الكتابة عن الآخرين، إن كان لهم شواهد تحرك فضول القلم وتشخص موطن الألم، وتستعير الخاص للأعم.
ولأن الحديث ذو صلة بالزعيم الرحل خالد الذكر (إبراهيم)، أجدني في حل من أمري ،بما استميح الفارىء ،لأن يعذرني عن زلتي هذه ،رقم المحاذيير التي استوجبت التبرير الأنف .. ذلك أني عام 1975م صنعت لمن لازال له قي قلب كل موطن تمثال.. صنعت تمثالاُ نصفياً ،ظللت أشكله وانحته طوال العام ، واحترت في تسليمه ، إلى إن اهتديت لفكرة مفاتحة عبدالملك محمد الحمدي ، زميلنا في المحطة آنذاك، والذي جازف معي مرتين ،لمعرفته أن عمه لايحب الصور ، ناهيكم ع ن التجسيد ، ولأنه اختلس سيارة الرئيس (إبراهيم) ، التي كان يعرفها كل من يشاهده من يقودها شخصياً ، ولا يجتاز بها أي إشارة رحمه الله –فوضعنا التمثال في الخانة ، وحين انطلق عبدالملك بالسيارة تنفست الصعداء .. مضت أيام ، واستدعاني الأخ عبدالله بركات إلى مكتب رئاسة الدولة- وقد كان يديره-ليقول بأن إبراهيم حمله نقل رسالة شفهية لي ، مفادها الحرص على تشجيعي إن إنا صنعت إشكالا وزخارف فنية غير التماثيل ،وسلمني ورقة بأربعة آلاف ريال من استحقاقه (الشخصي).
هكذا كان إبراهيم ،غير محب للتمجيد الذاتي ، ولا مستسيغ لنهب المال العام وبعثرته ، فهو أن أحرج –كما أحرجته-يفع من استحقاقه ، وهو ن تبرع بمنزله في (ثلاء) موطن رأسه ، ليكون مستوصفاً لأبنائها.. أرسى الرجل نواة دعائم المجتمع المدني، فتعلقت القلوب به، وانتصر للشعب على حساب أصحاب المصالح، فعمر فينا قليلاً، ليخلد في ذاكرتنا أبدا.
واليوم؟ انتصرنا لأصحاب المصالح على حساب المواطن، الذي تردت أوضاعه، وتدنت معيشته، وفقد رهانه عاماً بعد أخر..و والله لو عمرتم فينا –ياحكامنا-دهوراً ،ولم ترقبوا الله في شعبكم ،فإن ذاكرته لن تخلدكم ،إلا بالاجترار الآلام ، واحتقان المآسي .. فلاتدعو الفرصة تفلت من إصلاح الأمور وتسحين الأوضاع المعيشية ، لاسيما والعوز يطحن كل أسرة ،راتب عائلها لايتعدى ثلاثين دولاراً في الشهر .. في الوقت الذي تسفح فيه أموال الناس-صعبة وسهلة –لتستقر في جيوب المنتفعين ، والراضي توزع على المحظيين،يمنة ويسرة، وفساد فاضح ، ومفسدون افضح من الفضائح .. لقد كان لنا في إبراهيم اسوةحسنة،فكافأنه بجزاء(سنمار) ، ليفوز بالشهادة ولقاء ربه في الحادي عشر من أكتوبر لعام 1977م.
وأجدني فخوراً أن بحت قائلاً بأني ، وترجمة لرسالته الشفية الناصحة ،قد حصلت سبع جوائز إبداعية عالمية-ثقافية وفنية-أخرها ميدالية ذهبية من مهرجان بغداد العالمي الثاني للخط العربي والزخرفة الإسلامية الذي شاركت فيه سبع وثلاثون دولة عربية وإسلامية وعالمية، من بينها الولايات المتحدة ،والصين ،واليابان(1993م).
وليعذرني الحبيب إبراهيم إن بليت رقدته الهانئة بهمسي المفجع له ،بأن الابداع بعده قد قتل ككل قيمة جمالية في وطننا،سيما واني قد حصدت في الداخل سبع عقوبات وطنية، اعني سبع سبع : سمان من هناك وعجاف من هنا!!
فقر عينا ،لان تمثالك أيضا تمت تصفيته ،ورغم انك لاتحب (التجسيد) إلا إن لك في كل قلب تمثالاً ، وفي كل مقلة (إنسانا).